Skip to main content

Posts

الحجاب وحفظ الفطرة

مُقدّمة: في كُل عبودية شرّعها الله عزّ وجل لعباده، يكون الفعل الأوّل للمُسلم هو التسليم لأمر ربّه سُبحانه وتعالى، فجوهر الإسلام الاستسلام لله عزّ وجل دون أن يبين للإنسان الحكمة من ذلك، إلا أنه يؤمن أن ربّه حكيمٌ عليمٌ لطيفٌ بعباده، بل ويكفيه فقط حين يقرأ كلام ربّه ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُبَیِّنَ لَكُمۡ وَیَهۡدِیَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَیَتُوبَ عَلَیۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ۝٢٦ وَٱللَّهُ یُرِیدُ أَن یَتُوبَ عَلَیۡكُمۡ وَیُرِیدُ ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَ ٰ⁠تِ أَن تَمِیلُوا۟ مَیۡلًا عَظِیمࣰا ۝٢٧ یُرِیدُ ٱللَّهُ أَن یُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَـٰنُ ضَعِیفࣰا ۝٢٨﴾ هُنا يمتلئ قلب العبد يقينًا واستسلامًا، تسمع جوابه في كل أمر "سمعنا وأطعنا".  ومن رحمة الله عزّ وجل أنه قد يفتح على عبده من المشاعر والبصيرة التي يرى من خلالها رحمة ربّه، فيُرزق العبد "الحلاوة"، فتجده لا يتخيّل حياته إلا بها، فيزداد يقينًا على يقين، فإن رُزق حُب الصلاة حدّثك عنها بروحٍ ملؤها الجمال، وبعينٍ ترى غير الذي تراه، كأنه يقفُ بين يدي ربّه! وكأنّ الله عزّ وجل من رحمته ق...

متى أعود؟

  املأ عينك جيّدًا، وخذ منها أنفاسًا حتى تملأ صدرك من هوائها، لا تُقدّم قدمًا أمام قدمٍ حتى تُجدد في قلبك أنه قد تتلاقى، واملأ عينك مرّة أُخرى، فهذه المرة صار ما كان معلومًا مُبهما، حمّل فؤادك من الشعور حتى يمشي في هذه الدُنيا دون أن يسقط! بأمر الله! منذُ ولادتي وكانت أول أنفاسي ليست في الأرض التي تحملها جنسيتي، ونشأت في بيتٍ عُرف عنه السفر، عُرف عنه طوال الغيبة، عُرف عنه نُدرة اجتماع أفراده، فحملتُ وأخوتي في صدورنا شعورًا باغتراب دائم، إلا أن الله عزّ وجل يختار لنا الجِوار، فينبتُ لحمي وتختلط روحي بأنوار المدينة النبويّة، ليكون لي نصيبًا في الكثير من الخير فيها بفضله وكرمه، تعلّمتُ العلم من أستاتذها، وقرأت القُرآن على شيوخها -بفضل الله وكرمه-، فكانت سلوانا وإن كُنّا لسنا بين أهلينا. كُنت كُلما سافرتُ عنها أعرف موعد عودتي إليها، فكان سكون قلبي هو علمه "أننا سنعود"، إلا أن هذه المرة ليست ككل مرّة، سأبتعد يا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم متى أعود! هل لقلبي أن يسكن؟ هل لعقلي أن يهدأ؟ لا أدري! سأحكي عنكِ لأني لا أُطيق ما في صدري، سأتكلم معكِ، سأحدّثُ جدرانك، وكل ما...

الجمال الخالص

  تقول لي:  أُحب الكمال والجمال في كل أمر، ولزمنٍ طويل عرّفت الكثير من الأشياء على غير تعريفها لأرى جانبها الجمالي فحسب، ونفرت من حقيقتها، كنت أريد الأيام أكثر هدوءًا وجمالًا، فكانت هذه الطريقة الأمثل؛ إلا أن الواقع يأبى الزيف، ومهما بدت الأمور وردية كما نحلم ونتمنى، سندرك يوماً أن النقص والعيب جزء لا ينفك عن هذه الدنيا، بل بهما تتم الصورة وتكتمل، وبهما يُدرك المرء منّا حقيقة كل شيء أقوى وأشد. ولكنّي عرفتُ ما هو سر الجمال في النقص والعيب! إن النقص والعيب يزيدان القلب تعلقًا بما هو تام وكامل على وجه الحقيقة، ويظل الإنسان يبحث ويلتفت لتهدأ نفسه حين يلتصق بالكامل الجميل، فإذا وجده هان عليه كل شيء، إن الفجوة التي يخلقها النقص والعيب في نفوسنا يدفعنا باحثين عن الجمال التام الحقيقي، باحثين عن الجمال المُطلق الذي لا تشوبه شائبة. حتى وجدّت روحي بين القرآن! إنه القرآن، سد ظمأي، وملأ روحي، وأتم نقصي، القرآن جليل عظيم! يرى فيه العبد كمال كل شيء، ويرى به العبد حقيقة كل شيء، ويدرك تمام القُرآن وكماله أمام نقص الدنيا، فيأنس بالنعيم المطلق في الدنيا بصحبة القرآن، في سلوى منه في الأنس بالنعيم...

العبودية والتربية

مُقدّمة: في كل أمر من أمور حياتنا ومع واقعنا المُعاصر، لا بد أن نسأل "لماذا؟" حتى وإن بدا الأمر بدهيًّا، وذلك لأننا نحمل الكثير من الشوائب الفكرية المتخلطة، سواء من ثقافة المجتع، أو من الفكر الغربي، أو من غيرهما. وسؤال "لماذا" ضروري لأنه يكشف للإنسان المكرزية التي ينطلق منها، ومتى وضع الإنسان يده عليها فهم الكثير من الأفعال التي يرتكبها، فهل الإنسان المُعاصر مركوزًا إلى ركن شديد يأوي إليه؟ أم أنه في حالة لزجة لا تعرف الحدود والبدايات؟ النقطة الثانية في سؤال "لماذا" لأنه يفضح أو يكشف، يكشف أنّه لا حقائق إلّا حقيقة واحدة -الركن الشديد- وهي الحقيقة التعبديّة، الحقيقة التي يحيا من أجلها الإنسان ويموت عليها، لذا دعنا نسأل سؤال "لماذا" فيما يخص موضوعنا اليوم ألا وهو التربية، لماذا نُربّي؟ لو قال قائل حتى يكون مجتمعنا مجتمعًا فضيلًا، يستمتع بالأمان، لسألناه ثم بعد ذلك؟ يعيش سعيدًا.. ثم بعد ذلك؟ اااه.. نموت، وبالتالي يكشف الموت حقيقة الأشياء، ماذا بعد الموت إذًا؟ هل أديت المطلوب في التربية والذي ينفع لما بعد الموت؟ وبالتالي الإنسان العاقل، هو الذي تكون إ...

المُطلق المُدرك

  بين اتساعين: يقول الله عزّ وجل ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣰّاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِیلࣰا﴾ حين يعيش القلب في النعيم الأخروي، ويتقلّب بين مشاهد الجِنان.. تأتي خاطرة مُلّحة، هذه الخاطرة تتساءل مُتعجّبة "للأبد؟" "خالدين فيها؟" فكلمة الأبد أو الخلود كلمات لها مُطلق لا يُدركها العقل الدنيوي المحدود، تأتي كلمة الأبد ولا يستطيع العقل استيعاب اللاحد! لا يستطيع التصوّر إلا بتوّقف الزمن! ثم إذا ما جاء وصف الجنّة وجدنا الحديث القُدسي الذي يقول اللهُ تعالى فيه: "أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، ذخرًا بَلْهَ ما أطلعتُهم عليه، اقرأوا إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُونَ)"، فيقف العقل مرةً أُخرى أمام "ولا خطر على قلب بشر" فيحاول أن يتصوّر الجمال، ويتخيّله، ويدمجه، فلا يجد سبيلًا إلا بما يعرفه، فكيف بما لا...

القرآن... بين قلبين

  إن الأُم متى غابت عن طفلها، أخذ ثيابها ليشمّها وينام فيها سلوى شوقه الذي لا يهدأ.. ولله المثل الأعلى! هكذا الشعور تجاه القُرآن، كلام الله الذي نُقلّب فيه أنفسنا، حتى نلقى ربنا، والعجيب.. أن ثياب الأم يذهب ريحها عنها عندما تمر الأيام، لكن القُرآن كلما اقتربت منه زاد النور في صدرك، وزادت بركاته، وزادت نفحاته، فيكون زادك في رحلتك في الدنيا وموقدًا للشوق للآخرة. إن القُرآن عجيب.. عجيب يا صاحبي.. في مصاحبته أنوارٌ لا تنتهي، أكوانٌ واسعة، ومعانٍ لا يشملها قلبك لجلالها، وأشد ما فيه من العجب أن يُعطيك على ما يُناسبك.. حتى لا تُثقل، حتى يأخذ بيدك إلى فتوحاتٍ أُخرى، بآفاقٍ أُخرى، ولكن كل شيء بقدر. كان هذا في ليلةٍ من ليالي رمضان المُباركة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسّلم، فيأتي ذلك الشعور الطيّب، تلك الرحمة، تلك النفحة من نفحات رمضان، فيستشعر بها الإنسان أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيننا بجسده الشريف في قبره المُبارك، فيبدأ بالاستماع إلى الآيات بروحٍ أُخرى، بروحٍ تتخيّل أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيننا، كان ذلك بداية مشاعرٍ لا تنتهي! تبدأ بتلّقي القُرآن وكأنك تعيش مع الصحاب...

رسائلي | عن القُرآن

  الرسالة الأولى سلامُ الله عليكَ صديقي البعيد.. ما زالت وصيّتي إليك في كُل كلماتي الهادئة.. عليك بالقُرآن.. يا صديقي في كُل مرّة أقول لك "عليك بالقرآن" يكونُ قلبي في أضعف حالاتِه وأقوى آلامِه، لكن يأتي القُرآن هاديًا ومُطمئنًا ونصيرا، يأتي القُرآن ليجعل قلوبنا أكثرُ اتسّاعًا وأعظم قدرا، يجعلنا نُبصرُ كُل الأشياء بشكلٍ آخر، ما يراهُ الناس يراهُ أهل القُرآن بألف معنى وألف عِظة وفي محلٍّ صحيح وبوزنٍ سليم. يا صديقي تسأل كُل مرّة ما غايةُ حفِظ القُرآن، أقول لك ألف مرّة إن تلاوة الآية في مشاهِد حياتك وترديد الآيات وإنزالها منازل مشاعرك من أجلّ صور المُصاحبة والأُنس، ولو سِرت في كُل هذهِ الدُنيا لتجد الصديق الذي يكون مُسددًا دومًا حين نستعين به، ما وجدّت اهدى وأرشد من القُرآن خليلًا. يا صديقي يأتي أهل الدُنيا بالكلام تلو الكلام، وبالقضايا تلو القضايا، تتبعثر، تتشت، ويأتي القُرآن وهو كلامُ الله تعالى بآية واحدة.. واحدة فقط لو تمكّنت من قلبك لأشفقت على أهل الدُنيا، وتمنيّت لو فتحوا مصاحفهم وقرأوا كلام ربهم، فاهتدوا، وأبصروا، وتكّنوا. يا صديقي نقوم ونقعد، وتأخذنا الدُنيا بين الحين وال...