Skip to main content

Posts

العبودية والتربية

مُقدّمة: في كل أمر من أمور حياتنا ومع واقعنا المُعاصر، لا بد أن نسأل "لماذا؟" حتى وإن بدا الأمر بدهيًّا، وذلك لأننا نحمل الكثير من الشوائب الفكرية المتخلطة، سواء من ثقافة المجتع، أو من الفكر الغربي، أو من غيرهما. وسؤال "لماذا" ضروري لأنه يكشف للإنسان المكرزية التي ينطلق منها، ومتى وضع الإنسان يده عليها فهم الكثير من الأفعال التي يرتكبها، فهل الإنسان المُعاصر مركوزًا إلى ركن شديد يأوي إليه؟ أم أنه في حالة لزجة لا تعرف الحدود والبدايات؟ النقطة الثانية في سؤال "لماذا" لأنه يفضح أو يكشف، يكشف أنّه لا حقائق إلّا حقيقة واحدة -الركن الشديد- وهي الحقيقة التعبديّة، الحقيقة التي يحيا من أجلها الإنسان ويموت عليها، لذا دعنا نسأل سؤال "لماذا" فيما يخص موضوعنا اليوم ألا وهو التربية، لماذا نُربّي؟ لو قال قائل حتى يكون مجتمعنا مجتمعًا فضيلًا، يستمتع بالأمان، لسألناه ثم بعد ذلك؟ يعيش سعيدًا.. ثم بعد ذلك؟ اااه.. نموت، وبالتالي يكشف الموت حقيقة الأشياء، ماذا بعد الموت إذًا؟ هل أديت المطلوب في التربية والذي ينفع لما بعد الموت؟ وبالتالي الإنسان العاقل، هو الذي تكون إ...

المُطلق المُدرك

  بين اتساعين: يقول الله عزّ وجل ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣰّاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِیلࣰا﴾ حين يعيش القلب في النعيم الأخروي، ويتقلّب بين مشاهد الجِنان.. تأتي خاطرة مُلّحة، هذه الخاطرة تتساءل مُتعجّبة "للأبد؟" "خالدين فيها؟" فكلمة الأبد أو الخلود كلمات لها مُطلق لا يُدركها العقل الدنيوي المحدود، تأتي كلمة الأبد ولا يستطيع العقل استيعاب اللاحد! لا يستطيع التصوّر إلا بتوّقف الزمن! ثم إذا ما جاء وصف الجنّة وجدنا الحديث القُدسي الذي يقول اللهُ تعالى فيه: "أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، ذخرًا بَلْهَ ما أطلعتُهم عليه، اقرأوا إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُونَ)"، فيقف العقل مرةً أُخرى أمام "ولا خطر على قلب بشر" فيحاول أن يتصوّر الجمال، ويتخيّله، ويدمجه، فلا يجد سبيلًا إلا بما يعرفه، فكيف بما لا...

القرآن... بين قلبين

  إن الأُم متى غابت عن طفلها، أخذ ثيابها ليشمّها وينام فيها سلوى شوقه الذي لا يهدأ.. ولله المثل الأعلى! هكذا الشعور تجاه القُرآن، كلام الله الذي نُقلّب فيه أنفسنا، حتى نلقى ربنا، والعجيب.. أن ثياب الأم يذهب ريحها عنها عندما تمر الأيام، لكن القُرآن كلما اقتربت منه زاد النور في صدرك، وزادت بركاته، وزادت نفحاته، فيكون زادك في رحلتك في الدنيا وموقدًا للشوق للآخرة. إن القُرآن عجيب.. عجيب يا صاحبي.. في مصاحبته أنوارٌ لا تنتهي، أكوانٌ واسعة، ومعانٍ لا يشملها قلبك لجلالها، وأشد ما فيه من العجب أن يُعطيك على ما يُناسبك.. حتى لا تُثقل، حتى يأخذ بيدك إلى فتوحاتٍ أُخرى، بآفاقٍ أُخرى، ولكن كل شيء بقدر. كان هذا في ليلةٍ من ليالي رمضان المُباركة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسّلم، فيأتي ذلك الشعور الطيّب، تلك الرحمة، تلك النفحة من نفحات رمضان، فيستشعر بها الإنسان أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيننا بجسده الشريف في قبره المُبارك، فيبدأ بالاستماع إلى الآيات بروحٍ أُخرى، بروحٍ تتخيّل أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيننا، كان ذلك بداية مشاعرٍ لا تنتهي! تبدأ بتلّقي القُرآن وكأنك تعيش مع الصحاب...

رسائلي | عن القُرآن

  الرسالة الأولى سلامُ الله عليكَ صديقي البعيد.. ما زالت وصيّتي إليك في كُل كلماتي الهادئة.. عليك بالقُرآن.. يا صديقي في كُل مرّة أقول لك "عليك بالقرآن" يكونُ قلبي في أضعف حالاتِه وأقوى آلامِه، لكن يأتي القُرآن هاديًا ومُطمئنًا ونصيرا، يأتي القُرآن ليجعل قلوبنا أكثرُ اتسّاعًا وأعظم قدرا، يجعلنا نُبصرُ كُل الأشياء بشكلٍ آخر، ما يراهُ الناس يراهُ أهل القُرآن بألف معنى وألف عِظة وفي محلٍّ صحيح وبوزنٍ سليم. يا صديقي تسأل كُل مرّة ما غايةُ حفِظ القُرآن، أقول لك ألف مرّة إن تلاوة الآية في مشاهِد حياتك وترديد الآيات وإنزالها منازل مشاعرك من أجلّ صور المُصاحبة والأُنس، ولو سِرت في كُل هذهِ الدُنيا لتجد الصديق الذي يكون مُسددًا دومًا حين نستعين به، ما وجدّت اهدى وأرشد من القُرآن خليلًا. يا صديقي يأتي أهل الدُنيا بالكلام تلو الكلام، وبالقضايا تلو القضايا، تتبعثر، تتشت، ويأتي القُرآن وهو كلامُ الله تعالى بآية واحدة.. واحدة فقط لو تمكّنت من قلبك لأشفقت على أهل الدُنيا، وتمنيّت لو فتحوا مصاحفهم وقرأوا كلام ربهم، فاهتدوا، وأبصروا، وتكّنوا. يا صديقي نقوم ونقعد، وتأخذنا الدُنيا بين الحين وال...

في جماليّة تذوّق النص

  مُقدّمة: في جمالية هبة التعلّم، وقراءة النصوص واستشعار حُسنها، ولا أقصد العلم بمعناه المعرفي فحسب، بل هو بحس التذوّق والمُعايشة، بحس الإندماج في كيان الإنسان فيكون جزءًا منه وحاضرًا به. الإنسان كائن مُركّب.. بمعنى أن كل إنسان تتدّخل فيه بعض الأمور التي تكوّن هذا الكائن الماثل أمامنا، بيئته، تربيته، شخصه، حياته، تجاربه، هذه التشكيلة في ذاتها لا تكرر كثيرًا.. فتلّقي هذه التركبية لشيء سيعالجها بطريقة مختلفة تمامًا عن غيره، بالرغم من أنها نفس المعلومة، ولكن جمالية الاختلاف لتوليد المعنى كانت في هذه النقطة، وذلك بحسب كُل انسان وتركيبته! في جماليات تذوّق النص: في الحديث عن الجمّاليات أولًا: في كل حديثٍ يتمّلك قلبي أُباشره بالتساؤلات، لأعرف أصلِه.. وأفهمه.. ومن أين جاء لأُكرمه إن كان طيّب الأصل، وفي تساؤلي لنفسي عن تفضيلها للجمال وجدت الأشياء العجيبة.. فالجمال بذاته فطري فينا، قد خلقنا الله في أحسن تقويم، والتقويم هنا ليس الجسد والصورة فحسب بل ما بداخلنا؛ كل ما يؤهل الإنسان للقيام بدور العبوديّة.. قابليته للتعلّم، معنى التعقّل، كل معنى وما يضاده قد رُكّب في الإنسان بطريقة جعلته في أحسن ...

ظل الأشجار ورجالنا

  - سأُخبرك بشيء لكن عدني ألّا تُخبر به أحدًا سوى ابنائك في المُستقبل .. اتفقنا؟  - اتفقنا تأخذ طفلها بيده وتُكمل حديثها السري، وعينا ولدها يملؤها الحماسة، فترفع كفّهِ على خدها وتقول له: أنتَ رجلُ حقيقي يا ولدي.. إن الفتى وليدُ الحنان والصدق، والرجل الحقيقي هو ذلك الفتى، إننا الأمهات نغرس بأيدينا أشجارًا ستكون ظلًا تسظل به نساء هذه الأُمّة، هذه الأشجار العظيمة تكون بذرة صغيرة.. وأنت كنت إحدى هذه البذور، وفي الحقيقة كُنتُ خائفة جدًا كوني مسؤولة عن بذرة تُسّلم أمرها لي، وسيسألني الله كيف أكرمتِ تلك البذرة؟ كانت النساء في زمني لا تكترث في أن تتعلّم الصبر والتأنّي حتى تعطي البذرة حقّها في النمو والنضج، لكنّي كنتُ أحارب هواي كثيرًا وأتعلم الصبر قبل أن تأتي، والآن بدأت علامات نضج تلك البذرة في الظهور. أن تستمع لي وتُخبرني بعينك قبل لسانك أنك مُقبل إليّ بكُلّك، وأن اتحسس بيدك آمانًا وصدقا، هي أولى علامات تلك البُشرى، والرجل الصادق شجرة صامدة، تسقيها الأم وترعاها، ثم تُسّلمها لامرأة واعية لترعى تلك الشجرة القويّة فتصير الشجرة لها من الخير الكثير. نعم تتطّلب الرعاية الصبر الكثير، وهذا ...

الليل والنهار في نظر المُسلم

  مُقدّمة: يتقلّب قلبُه مع الأيام، ويتساءل إلى أين؟ قد يكون سؤاله عارضًا، ولو سأله أحدٌ آخر بنفس سؤاله لأجاد الجواب، ولبس زيّ الحكيم، وكشف عن صاحبه غمّته، ولكن! ما أعجب الإنسان الذي لا يستطيع أن يُحدّث نفسه حديثًا يعرفه، ويُنكر الأسباب التي يعرفها على نفسه، ويضيقُ ويضيقُ.. حتى إذا ما نظر إلى السماء، وتراءى لقلبه شروق الشمس، وتبدّل الليل النهار، أو تراءى له الغروب، وتبدّل النهار الليل، فيجد نفسه تمامًا كحالة الشروق أو الغروب، ولكنّه لا يدري، أنَهارٌ هو؟ أم ليل؟ هذا حال صاحبُنا في نفسه. يحاول مرّة أُخرى.. ولكن هذه المرة مدّ بصره إلى مشرق الأرض ومغربها، على امتداد أمّته المُسلمة، ويتساءل إلى أين؟ ولكن هذه المرّة يرتدي أثوابًا مُتعددة، تعددها ليس باختلاف المكان فحسب، بل باختلاف الزمان، أثواب أمتِه العديدة على مرّ الأيام، ويضيقُ ويضيق.. حتى إذا ما نظر إلى السماء! وحال أُمّتِه كحاله، بين بين ولكن لا يدي أنهارٌ هو؟ أم ليل؟ تبارك الذي نزّل الفُرقان! سورة الفُرقان سورةٌ فارقه، تُفرّق بين الحق والباطل، ببيان شديد ورسوخ واضح، تمامًا كما هو يوم الفرقان -غزوة بدر-، كما تميّزت هذه السورة بتكرار ...